ابن عربي

88

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

أجب الأمير . فتكلم الشعبي بكلام يريد به إبقاء وجه عنده . فقال ابن هبيرة : ما تقول أنت يا أبا سعيد ؟ فقال : أيها الأمير ، قد قال الشعبي ما قد سمعت به ، قال : ما تقول أنت يا أبا سعيد ؟ قال : أقول : يا عمرو بن هبيرة ، أوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة اللّه ، فظّ ، غليظ ، لا يعصي اللّه ما أمره ، فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك . يا عمرو بن هبيرة ، لا تأمن أن ينظر اللّه إليك على قبح ما تعمل في طاعة يزيد بن عبد الملك ، فيغلق به باب المغفرة دونك . يا عمرو بن هبيرة ، لقد أدركت ناسا من صدر هذه الأمة ، كانوا عند هذه الدنيا ، وهي مقبلة ، أشد إدبارا من إقبالكم عليها ، وهي مدبرة . يا عمرو بن هبيرة ، إني أخوّفك مقاما خوّفكه اللّه عز وجل ، فقال : ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ . يا عمرو بن هبيرة ، إن تكن مع اللّه في طاعته ، كفاك يزيد بن عبد الملك ، وإن تكن مع يزيد على معاصي اللّه ، وكّلك اللّه إليه . فبكى عمرو بن هبيرة ، وقام بعبرته . فلما كان من الغد ، أرسل إليهما ، فأدناهما وأجازهما ، فأكثر جائزة الحسن ، وأنقص جائزة الشعبي . فخرج الشعبي إلى المسجد ، فقال : أيها الناس ، من استطاع منكم أن يؤثر اللّه على خلقه فليفعل ، فوالذي نفسي بيده ، ما علم الحسن شيئا منه فجهلته ، ولكني أردت ابن هبيرة ، فأقصاني اللّه منه . وبلغني أن عمر بن عبد العزيز لما ولّي الخلافة ، أخذ إقطاع أمير كبير كان أقطعه إياها سليمان بن عبد الملك ، والوليد بن عبد الملك ، فلما مات عمر بن عبد العزيز وولّي يزيد بن عبد الملك ، جاء الأمير إليه ، فقال له : إن أخاك سليمان أمير المؤمنين والوليد أقطعاني شيئا قطعه عني أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه ، فأريد منك أن تردّه عليّ . قال يزيد : لا أفعل . قال : ولم ؟ قال : لأن الحق فيما فعل عمر بن عبد العزيز . قال : وبم ذلك ؟ قال : لأن أخواي أحسنا إليك وذكرتهما ، وما دعوت لهما ، وعمر بن عبد العزيز أساء إليك وذكرته فترضّيت عنه ، فعلمت أن عمر آثر اللّه على هواه ، وأما سليمان والوليد آثرا هواهما على حق اللّه . فو اللّه لا رأيته مني أبدا . وهذا من أحسن ما يحكى عن الثقات أولات الأمر ا ه . والحمد للّه حق حمده .